فخر الدين الرازي
146
تفسير الرازي
نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) * اعلم أن الله تعالى لما قال : * ( عزيز ذو انتقام ) * بين وقت انتقامه فقال : * ( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) * وعظم من حال ذلك اليوم ، لأنه لا أمر أعظم من العقول والنفوس من تغيير السماوات والأرض وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : ذكر الزجاج في نصب يوم وجهين ، إما على الظرف لانتقام أو على البدل من قوله : * ( يوم يأتيهم العذاب ) * . المسألة الثانية : اعلم أن التبديل يحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون الذات باقية وتتبدل صفتها بصفة أخرى . والثاني : أن تفنى الذات الأولى وتحدث ذات أخرى ، والدليل على أن ذكر لفظ التبدل لإرادة التغير في الصفة جائز ، أنه يقال بدلت الحلقة خاتماً إذا أذبتها وسويتها خاتماً فنقلتها من شكل إلى شكل ، ومنه قوله تعالى : * ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) * ( الفرقان : 70 ) ويقال : بدلت قميصي جبة أي نقلت العين من صفة إلى صفة أخرى ، ويقال : تبدل زيد إذا تغيرت أحواله ، وأما ذكر لفظ التبديل عند وقوع التبدل في الذوات فكقولك بدلت الدراهم دنانير ، ومنه قوله : * ( بدلناهم جلوداً غيرها ) * ( النساء : 56 ) وقوله : * ( بدلناهم بجنتيهم جنتين ) * ( سبأ : 16 ) إذا عرفت أن اللفظ محتمل لكل واحد من هذين المفهومين ففي الآية قولان : القول الأول : أن المراد تبديل الصفة لا تبديل الذات . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها ، فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوى ، فلا يرى فيها عوج ولا أمت . وروى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يبدل الله الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العاكظي فلا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً " وقوله : * ( والسماوات ) * أي تبدل السماوات غير السماوات ، وهو كقوله عليه السلام : " لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده " والمعنى : ولا ذو عهد في عهده بكافر ، وتبديل السماوات بانتثار كواكبها وانفطارها ، وتكوير شمسها ، وخسوف قمرها ، وكونها أبواباً ، وأنها تارة تكون كالمهل وتارة تكون كالدهان .